أحمد ياسوف

204

دراسات فنيه في القرآن الكريم

ليس النظر إلى النهر ، ومن هنا نفيد من الانفعال الذي تغدق به عناصر من الطبيعة دون غيرها . إن القول باعتماد المبدع على الطبيعة أمر بدهي ، فهي الوعاء الخارجي الذي ينعكس في الداخل النفسي ، وهي المنهل الأول للتجربة الخارجية ما دام الإنسان يتنفس في أحضان الطبيعة ، فأنّى له أن يتخلص من سيطرتها وحضورها الحسي والذهني . ولعل هذا الاعتماد على الطبيعة حين يفرد بالدراسة يعني أن الفنان ابتعد عن الطبيعة الصناعية مما صنعه الإنسان ، واقترب مما هو أصل ، ومما هو نابض بالحياة والروحية ، ولم يعتمد على البيئة المحصورة ضيقة المكان ، فكل ما نسمعه ونراه ونشمه ونلمسه ونتذوقه يصبح من المدركات الحسية ، ويعد جزءا من الطبيعة ، حتى ما لا يرى بالعين المجردة ، وما وراء الطبيعة عالم آخر هو الغيب القائم على التصديق والتصور . فالطبيعة تتضمن الكون من الذرة إلى المجرة ، وهي وعاء لوجود الإنسان وغلاف لحركته وفاعليته البشرية ، لذلك أمكن أن تشكل الرصيد المختزن من الصور والمناظر والتجارب الحسية « فتكون هذه الأمور المختزنة المادة الأولية ، أو المنبع الأساسي الذي يعتمد عليه الخيال ويستمد منه » « 1 » . ولكن هذه المادة الأولية تصطبغ بالذات وتختلط بالمشاعر فتختلف نوعا ما عن الواقعة في الخارج ، وبتعبير آخر تكتسب صفات ذهنية لأنها لا تنتقل بالحسية التامة ثم إنها تتأثر بالمشاعر المحيطة بهذا العنصر أو ذاك من الطبيعة .

--> ( 1 ) الأصول الفنية للأدب ، د . عبد الحميد يونس ، ص 93 .